أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
51
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
وهكذا ينقد المؤلف ويقارن ببصيرة وذكاء بين الحضارات المتفاوتة ، وقد نعمت بعضها بأمن وسلام وازدهار وأخرى بحروب وقلاقل وشقاء وما ذاك إلّا ان اليمن مني بولاة جور طغاة . ويدفعه استطراده هذا إلى أن يربط أسباب قيام الدّول وسقوطها بخصيصة الرفق واللّين ، أو عكسهما من قبل بعض الحكام ، فعند ما يأذن الله بزوال دولة يجعلها تجور على رعاياها ، فيكون هذا الأمر عاملا في سقوط تلك الدولة ، فهذه دولة بني رسول التي عرفت في اليمن في أول دورها باللّين والرفق والتقدم العلمي والعمراني تنقض غزلها في آخر حياتها ، ويميل ولاتها إلى البطش والعدوان يقول : « كيف لا والحوادث تنطق بلسان فصيح ، وتعلن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فيها سمق دوح هذه الحكومة ، ورقّ ظلّها وامتدت أشعة شمسها على روابي اليمن وبطاحه وسهوله ، إبان مجدها وميعة عظمتها واستقامة أخلاقها ، ولكنها لم تثبت طويلا تلك الأوصاف الجميلة بل أصيبت بالداء العضال والسّم الناقع فنخر سوس الفساد في جرثومتها فشاخت وهرمت ، وتداعى بنيان فخارها وانهار ركن مجدها ، فكوّرت شمسها بمقدار ما لابسها من المرض والضعف ، وما زالت تكور حتى انزوت أشعتها الذابلة في تعز وزبيد وما جاورهما . . وما ذاك إلا عقوبة البغي وتفرق الكلمة ، وانقسام الوحدة واتباع الهوى والاسترسال في القسوة والإيغال في الجور » . المؤرخ الثائر وهذا يجرنا إلى الحديث عن المطاع المصلح الثائر ، الذي ضحّى بحياته وباع روحه رخيصة في سبيل مبادئه الوطنية وتقدم شعبه وبلاده ، وهو وإن عاش في أبّان قوة الإمام وصولته ، إلا أن هذا لا يمنعه من أن يوجّه الانتقادات ويجعل من درس التاريخ دروسا في أخلاق السياسة وسلوك الحكام . للعظة والاعتبار ، فالتاريخ عنده ليس إلّا أخلاقا سياسية يجب أن